عماد الدين الكاتب الأصبهاني
413
خريدة القصر وجريدة العصر
ومنها في وداعه : فخذ السانح من عفوي ، وتجاوز لمقتي وصفوي ، ثم متعني بفكري فقد رجع فليلا ، ودع لي ذهني عسى أن يتودع قليلا ، وإنّي وقد أضله من بينك الشغل الشاغل ، وردعه « 1 » من قربك الظّل الزائل ، ولا أنس بعدك إلا في تخيل معاهدك ، وتذكر مصادرك النبيلة ومواردك ، فسر في أمن السلامة محافظا ، وتوجه في ضمن الكرامة مشاهدا بالأوهام ملاحظا ، رعاك اللّه في حلك ومرتحلك ، وقدمت على السني من متمناك والمرضي من أملك ، بمن اللّه وفضله . وكتب إليهما الفقيه الحافظ أبو الفضل ابن عياض « 2 » في ذلك : قد وقفت - أعزكما اللّه - على بدائعكما الغريبة ، ومنازعكما [ البعيدة ] « 3 » القريبة ، ورأيت ترقيكما من الزّهر إلى الزّهر ، وتنقلكما من الدّراري بعد الدّر ، فأبحتما حمى النجوم ، وقذفتماها من ثواقب افهامكما بالرجوم ، وتركتماها بعد الطلاقة ذات وجوم ، فحللتما بسيطها غارة شعواء ، لها عوت أكلب العواء ، هناك افترست الفوارس ، ولم تغن عن السماك الداعس ، وغودرت النثرة نثارا ، وأغشى لألاؤها نقعا مثارا ، كأن لكما عندها « 4 » ثأرا ، وأشعرت الشعريان ذعرا ، وقطعت إحداهما أواصر الأخرى ، فأخذت بالحزم منها العبور ، وبدرت خيلكما وسيلكما بالعبور ، وحذرت اللحاق عن أن تعوق ، عن منحنى العيّوق . فخلفت أختها تندب الوفاء ، وتجهد جهدها في الاختفاء ، وكأن الثريا حين ثرتم بقطينها ، اتقتكم بيمينها ، فجذذتم بنانها ، وبذلتم للخضيب أمانها ، فعندها استسهل سهيل الفرار ، فأبعد بيمينه القرار ، وولّى الدبران إثره مدبرا ، فذكر البعاد فوقف متحيرا ، وعادت العوائد
--> ( 1 ) القلا : ودعه . . ( 2 ) سيترجم له العماد في هذا الكتاب ( انظر الفهارس ) . ( 3 ) التكملة من القلا . ( 4 ) القلا : قبلها . . .